فخر الدين الرازي
12
المطالب العالية من العلم الإلهي
على مرجح ، فذلك المرجح إن كان من العبد عاد التقسيم الأول فيه ، وإن كان من غيره ، فحينئذ يلزم الجبر ، وأما إن حصل ذلك الترجيح لا لمرجح ، أو يقال : إنه ترجح جانب الفعل على جانب الترك ، لا لمرجح أصلا . فهذا باطل لوجهين : الأول : إنه يقتضي رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وذلك يمنع من الاستدلال بحدوث المحدثات ، وبإمكان الممكنات على وجود الصانع . وإذا بطل القول بالصانع ، كان بطلان القول بالتكليف وبالنبوات ألزم . الثاني : إن على هذا التقدير يكون رجحان جانب الفعل على جانب الترك : محض الاتفاق . وما يكون كذلك ، لم يكن الوقوع به ، أولى من الترك به . بل إن اتفق وقوعه ، فقد وقع . شاء ذلك الفاعل : ذلك الفعل ، أو أبى وإن لم يتفق وقوعه لم يقع ، شاء ذلك الفاعل : ذلك الفعل أو أبى . وهذا هو محض الجبر . فيثبت : أن رجحان أحد الطرفين على الآخر ، إن توقف على المرجح ، فالقول بالجبر لازم . وإن لم يتوقف ، فالقول بالجبر ألزم . فيثبت : أن القول بالجبر لازم على كل التقديرات . هذا إذا قلنا : إن المتمكن من الفعل [ متمكن أيضا من الترك . وأما القسم الثاني وهو أن يقال : المتمكن من الفعل غير متمكن من الترك « 1 » ] فههنا الجبر أظهر وألزم . فيثبت : أن القول بالجبر لازم على كل الأقسام . الحجة الثانية : إن القادر على الفعل ، لا قدرة له على الترك البتة . وإذا كان الأمر كذلك ، كانت القدرة موجبة للفعل ، فكان الجبر لازما . وإنما قلنا : إن القادر على الفعل ، لا قدرة له على الترك : لأن الترك عبارة عن البقاء على العدم الأصلي . والعدم لا يصلح أن يكون مقدورا للقادر ، لأن القدرة
--> ( 1 ) من ( ل ) وعبارة ( ت ) : إذا قلنا : إن المتمكن من الفعل سهك من الترك ، فههنا الجبر . . . الخ وعبارة ( 2 ) : إذا قلنا : إن المتمكن من الفعل غير متمكن من الترك ، وأما إن قلنا : إنه متمكن من الترك فههنا الجبر . . . الخ .